الجاحظ
118
كتاب البغال
ومن حديث المغيرة بن عنبسة عن بعض أشياخه قال : قال كعب الأحبار « 1 » . . . . . . فإذا هو شيخ أبيض الرأس واللحية ، أبيض الثياب ، على بغلة بيضاء . وحدّثني صديق لي ، قال : أوّل يوم دخلت الرّقّة - وذلك في أيام الرشيد - استقبلني الشاعر اليمامي المتكلم ، الذي يقول : « إني تيميّ » ، فإذا هو أسود ولحيته سوداء ، وثيابه سود ، وعمامته سوداء ، وسرجه أسود ، وسمّور « 2 » سرجه أسود ، وهو على برذون أدهم ، وقد ركبه غبار ، فقلت : أعوذ باللّه من هذا الزّي ! أهل خراسان الذين هم أهل الدّعوة ، ومخرج الدولة ، لا يتكلّفون جميع هذه الخصال كلّها لأنفسهم ، واكتفوا بسواد ثيابهم ! وإذا هو يتعرّض لصاحب الأخبار ، طمعا في أن يرفع خبره ، فينال بذلك مرتبة ، فقلت له : واللّه إنّ هذا الزيّ لقبيح من أهل هذه الدولة ، فما ظنّك بإنسان يماميّ مرّة وتيميّ مرّة ؟ ! واللّه أن لو رفعت في الخبر ، لارتفعت معك حتى أخبر عنك ! . وحدّثني عمرو القصافيّ الشاعر « 3 » ، قال : دعانا فلان بن فلان الفلانيّ ، وهم قوم يعرفون بالدّعوة « 4 » ، فدعانا إلى منزله في أيام دعوتهم إلى العرب ، فإذا هو قد ضرب خيمة ، وإذا حوله غنيمات ، وإذا في
--> ( 1 ) هو كعب بن ماتع الحميري ، كان يهوديا وأسلم في خلافة عمر ، وكان يقص فبلغه حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يقص إلا أمير أو مأمور أو محتال » فترك القصص ، حتى أمره معاوية فصار يقص بعد ذلك . ومات بحمص سنة 32 ه . ( 2 ) السمور : دابة تسوي من جلودها فراء غالية الأثمان . ( 3 ) هو عمرو بن نصر التيمي القصافي البصري ، من إخوان محمد بن يسير . وكان مشهورا بالعين ، يعين كل شيء يستحسنه ، فعان حسناء مغنية ، فانصرفت محمومة شاكية العين ، فقال فيه ابن يسير : إن عمرا جنى بعينيه ذنبا * قل مني عليه فيه الدعاء ( 4 ) الدعوة ، بالكسر : أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته .